كمال الدين دميري

464

حياة الحيوان الكبرى

البيوت التي تأوي فيها الملوك ، ثم بيوت الذكور التي لا تعمل شيئا . والذكور أصغر جرما من الإناث وهي تكثر المادة داخل الخلية ، وإن طارت فهي تخرج بأجمعها وترتفع في الهواء ثم تعود إلى الخلية . والنحل تعمل الشمع أولا ، ثم تلقي البزر لأنه لها بمنزلة العش للطير ، فإذا ألقته قعدت عليه وحضنته ، كما يحضن الطير ، فيكون من ذلك البزر دود أبيض ، ثم ينهض الدود وتغذي نفسها ثم تطير ، وهي لا تقعد على أزهار مختلفة بل على زهر واحد ، وتملأ بعض البيوت عسلا وبعضها فراخا ، ومن عادتها أنها إذا رأت فسادا من ملك ، إما أن تعزله وإما أن تعزله وإما أن تقتله ، وأكثر ما تقتل خارج الخلية . والملوك لا تخرج إلا مع جميع النحل ، فإذا عجز الملك عن الطيران ، حملته . وسيأتي إن شاء اللَّه تعالى بيان ذلك ، في آخر الكتاب ، في لفظ اليعسوب . ومن خصائص الملك أنه ليس له حمة يلسع بها ، وأفضل ملوكها الشقر ، وأسوؤها الرقط بسواد . والنحل تجتمع فتقسم الأعمال فبعضها يعمل العسل ، وبعضها يعمل الشمع ، وبعضها يسقي الماء ، وبعضها يبني البيوت ، وبيوتها من أعجب الأشياء لأنها مبنية على الشكل المسدس الذي لا ينحرف ، كأنه استنبط بقياس هندسي . ثم هو في دائرة مسدسة ، لا يوجد فيها اختلاف ، فبذلك اتصلت حتى صارت كالقطعة الواحدة ، وذلك لأن الأشكال من الثلاث إلى العشر ، إذا جمع كل واحد منها إلى أمثاله لم يتصل ، وجاءت بينها فروج ، إلا الشكل المسدس ، فإنه إذا جمع إلى أمثاله اتصل ، كأنه قطعة واحدة وكل هذا بغير مقياس منها ولا آلة ولا بركار ، بل ذلك من أثر صنع اللطيف الخبير وإلهامه إياها ، كما قال : * ( وأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً ومِنَ الشَّجَرِ ومِمَّا يَعْرِشُونَ ) * الآية « 1 » . فتأمل كمال طاعتها وحسن امتثالها لأمر ربها ، كيف اتخذت بيوتا في هذه الأمكنة الثلاثة الجبال والشجر وبيوت الناس حيث يعرشون ؛ أي حيث يبنون العروش ، فلا ترى للنحل بيتا في غير هذه الأمكنة الثلاثة البتة . وتأمل كيف كانت أكثر بيوتها في الجبال ، وهي المتقدمة في الآية ثم الأشجار وهي دون ذلك ، ثم فيما يعرش الناس وهي أقل بيوتها . فانظر كيف أداها حسن الامتثال إلى أن اتخذت البيوت قبل المرعى . فهي تتخذها أولا ، فإذا استقر لها بيت خرجت منه فرعت وأكلت من الثمرات ، ثم أوت إلى بيوتها ، لأن ربها سبحانه وتعالى أمرها باتخاذ البيوت أولا ، ثم الأكل بعد ذلك ، وقال في الإحياء : انظر إلى النحل كيف أوحى اللَّه إليها ، حتى اتخذت من الجبال بيوتا ، وكيف استخرج من لعابها الشمع والعسل ، وجعل أحدهما ضياء والآخر شفاء . ثم لو تأملت عجائب أمرها في تناولها الأزهار والأنوار ، واحترازها من النجاسات والأقذار ، وطاعتها لواحد من جملتها ، وهو أكبرها شخصا وهو أميرها ، ثم ما سخر اللَّه لأميرها من العدل والانصاف بينها ، حتى إنه ليقتل منها على باب المنفذ ، كل ما وقع منها على نجاسة ، لقضيت من ذلك العجب ، إن كنت بصيرا في نفسك ، وفارغا من هم بطنك وفرجك ، وشهوات نفسك ، في معاداة أقرانك ، وموالاة إخوانك . ثم دع عنك جميع ذلك ، وانظر إلى بنيانها بيتا من الشمع ، واختيارها من جميع الأشكال ،

--> « 1 » سورة النحل : آية 68 .